أبي حيان التوحيدي

275

المقابسات

72 مقابسة [ في حديث النفس وما يغلب عليها ويصير ديدنا لها ] قال أبو زكريا الصيمري يوما لأبى سليمان في حديث النفس وما يغلب عليها ويصير ديدنا لها لا يفارقها ولا يزول عنها : أيها الشيخ ، انى أجد في نفسي أشياء هي أركان فكرى ودعائم همى وأسس وساوسي أحدها : حديث الوالدة ، فانى لا أكاد أنساها ولا أذهل عن شأنها وشأني معها ، هذا على بعد عهدي بها ، وامتداد الزمان بيني وبينها ، لأنها صارت إلى جوار اللّه وأنا غلام والثاني : حديث صاحب الشريعة ، فانى أسبح فيه أيضا متعجبا مما خص به وأفرد منه ، مع ما عاناه من أقاربه وأباعده ، ومع الذي نهض به من أعمال حاله وتدبير أصحابه ، ونظم جل أمره ودقة ما كان يلقى ، وهي الحال التي توحد بها من بين أهل عصره في نشر الغيب والدعاء إلى الرشد حتى صارت أعجوبة عند من أنكره ، وبركة [ ورحمة ] على من عرفه ونصره ، وسائر ما كان به مشهورا من أمره الغالب ، وشأنه المعجز ، ومع الأحوال التي اختلفت وائتلفت ووضحت على الذين عاينوه وخبروه وجاوروه واستنبطوه مما يطول ذكره ، وهو بارز لكل أحد ، وموضوع على كل مرصد والثالث : الموت ، وذلك أنى ممنوع بتخيله عن كل استمتاع ولذة ، أتخيله تخيلا غالبا موحشا ، وربما غشى فؤادي من ذكره ، وباشر صدري من كربه ، ما يبلغ بي أنى أتمناه لأستريح والرابع : الباري عز وجل ، وأنه في أعلى أرجاء الفكر ، وفي الحد الأقصى